أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

524

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

1735 - رأيت بني البكريّ في حومة الوغى * كفاغري الأفواه عند عرين « 1 » فإنّ تقديره : كفاغري أفواهما . وقولنا « مفردين » تحرز من العينين ونحوهما ، وإنما اختير الجمع على التثنية وإن كانت الأصل لاستثقال توالي تثنيتين ، وكان الجمع أولى من المفرد لمشاركة التثنية في الضم ، وبعده المفرد لعدم الثقل ، هذا عند بعضهم قال : « لأنّ التثنية لم ترد إلا ضرورة كقوله : 1736 - هما نفثا في فيّ من فمويهما * على النّابح العاوي أشدّ رجام « 2 » بخلاف الإفراد فإنه ورد في فصيح الكلام ، ومنه : « مسح أذنيه ظاهرهما وباطنهما » . وقال بعضهم : « الأحسن الجمع ثم التثنية ثم الإفراد كقوله : 1737 - حمامة بطن الواديين ترنّمي * سقاك من الغرّ الغوادي مطيرها « 3 » وقال الزمخشري : « أيديهما : يديهما ، ونحوه : « فقد صغت قلوبكما » اكتفى بتثنية المضاف إليه عن تثنية المضاف ، وأريد باليدين اليمنيان بدليل قراءة عبد اللّه : « والسارقون والسارقات فاقطعوا أيمانهم » . وردّ عليه الشيخ « 4 » بأنهما ليسا بشيئين ، فإنّ النوع الأول مطرد فيه وضع الجمع موضع التثنية ، بخلاف الثاني فإنه لا ينقاس ، لأن المتبادر إلى الذهن من قولك : « قطعت آذان الزيدين : أربعة الآذان » وهذا الردّ ليس بشيء لأنّ الدليل دلّ على أن المراد اليمنيان . قوله : جَزاءً فيه أربعة أوجه : أحدها : أنه منصوب على المصدر بفعل مقدر أي : جازوهما جزاء . الثاني : أنه مصدر أيضا لكنه منصوب على معنى نوع المصدر ، لأن قوله : فَاقْطَعُوا » في قوة : جازوهما بقطع الأيدي جزاء » . الثالث : أنه منصوب على الحال ، وهذه الحال يحتمل أن تكون من الفاعل أي : مجازين لهما بالقطع بسبب كسبهما ، وأن تكون من المضاف إليه في « أَيْدِيَهُما » أي : في حال كونهما مجازين ، وجاز مجيء الحال من المضاف إليه لأن المضاف جزؤه كقوله : وَنَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً « 5 » . الرابع : أنه مفعول من أجله أي : لأجل الجزاء ، وشروط النصب موجودة و « نَكالًا » منصوب كما نصب « جَزاءً » ، ولم يذكر الزمخشري فيهما غير المفعول من أجله . قال الشيخ « 6 » : « تبع في ذلك الزجاج » ، ثم قال : « وليس بجيد ، إلّا إذا كان الجزاء هو النّكال فيكون ذلك على طريق البدل ، وأما إذا كانا متباينين فلا يجوز ذلك إلا بوساطة حرف العطف » . قلت : النكال نوع من الجزاء فهو بدل منه ، على أن الذي ينبغي أن يقال هنا إن « جَزاءً » مفعول من أجله ، العامل فيه « فَاقْطَعُوا » فالجزاء علة للأمر

--> ( 1 ) انظر البيت في الهمع ( 1 / 50 ) ، الدرر اللوامع ( 1 / 25 ) . ( 2 ) تقدم . ( 3 ) اختلف في نسبة هذا البيت فنسب إلى الشماخ وإلى توبة بن الحمير وهو في ملحق ديوان الشماح ( 438 ) ، وديوان توبة ( 36 ) ، وانظر المقرب ( 2 / 128 ) ، أمالي القالي ( 1 / 88 ) ، الهمع ( 1 / 55 ) ، الدرر ( 1 / 26 ) . ( 4 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 483 ) . ( 5 ) سورة الحجر ، الآية ( 47 ) . ( 6 ) انظر البحر المحيط ( 3 / 484 ) .